الدراسة لا تقول إن التخزين التجاري بات واقعاً، لكنها تفتح سؤالاً عملياً في دولة يغلب على باطنها الحجر الجيري: كيف يتحرك ثاني أكسيد الكربون داخل صخور تختلف عن النماذج الشائعة عالمياً؟
الإجابة القصيرة هي: نعم، قد تصلح جيولوجيا الإمارات لتخزين ثاني أكسيد الكربون بأمان في بعض المواقع، لكن ذلك لا يمكن افتراضه مسبقاً ولا تعميمه على كل المكامن. ما يجري الآن هو محاولة علمية لفهم ما إذا كانت الصخور الكربوناتية المحلية، ولا سيما الحجر الجيري، تستطيع احتواء الغاز المحقون تحت الأرض من دون مخاطر غير محسوبة، وما الشروط التي تجعل ذلك ممكناً تقنياً واقتصادياً. هذا هو جوهر العمل الذي عرضته جامعة نيويورك أبوظبي في مادة تعريفية نشرتها في 1 أكتوبر 2026 حول بحث تقوده المهندسة الإماراتية ميثاء العليلي ضمن مجموعة يشرف عليها الباحث مصطفى مبشر.
بين الإعلان المؤسسي وما يثبته البحث فعلاً
المتاح علناً حتى الآن هو عرض مؤسسي من الجامعة، لا إعلان عن مشروع تجاري واسع النطاق ولا عرض لنتيجة نهائية محسومة. وبحسب المادة المنشورة، يركز البحث على حقن ثاني أكسيد الكربون في صخور تحت سطح الأرض داخل الإمارات، ودراسة حركته عبر الشقوق والمسام، وتفاعله مع المعادن، وحدود ضغط الحقن الآمن. كما تشير الجامعة إلى احتمال أن يتحول جزء من الكربون بمرور الوقت إلى معادن صلبة داخل الصخور، وهي آلية معروفة علمياً باسم الاحتجاز المعدني، لكنها تتطلب زمناً وظروفاً جيولوجية وكيميائية محددة قبل اعتبارها حلاً قابلاً للتوسع. كما تؤكد الجامعة أن المشروع لا يزال في مرحلة مبكرة.
لماذا لا تكفي نماذج الحجر الرملي لفهم باطن الإمارات؟
الأهمية الحقيقية لهذا البحث ليست في فكرة تخزين الكربون نفسها، بل في نوع الصخور. كثير من نماذج التخزين الجيولوجي التي استندت إليها المشاريع العالمية طُورت أساساً لطبقات من الحجر الرملي. أما في الإمارات، فتوضح جامعة نيويورك أبوظبي أن باطن الأرض يغلب عليه الحجر الجيري وصخور كربوناتية أخرى أكثر تفاعلاً كيميائياً. هنا يبدأ الاختلاف: فالصخر الكربوناتي قد يذوب جزئياً مع السوائل الحمضية المتولدة عند امتزاج ثاني أكسيد الكربون بالماء، ثم يعيد الترسيب لاحقاً، ما يغير المسامية والنفاذية ومسارات الجريان بطرق أعقد من بيئات الحجر الرملي الأكثر تجانساً في العادة. مراجعات علمية حديثة تشير أيضاً إلى أن عدم تجانس الصخور الكربوناتية واختلاف قابلية البلل والتفاعل فيها يجعل التنبؤ بسلوك الاحتجاز أكثر صعوبة، ويمنع نسخ النماذج الجاهزة من مكمن إلى آخر.
ما الذي يعنيه ذلك للصناعة في أبوظبي والخليج؟
بالنسبة للصناعة، هذا النوع من الأبحاث يسبق الاستثمار الكبير ولا يستبدله. أبوظبي تمتلك بالفعل سياسة لتنظيم أنشطة احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، أُعلنت في 16 يناير 2026، وتؤكد الاستفادة من الموارد المحلية للتخزين وبناء إطار تشريعي وتنظيمي للقطاع. كما كانت «أدنوك» قد أعلنت في يناير 2023 بدء العمل على بئر لحقن ثاني أكسيد الكربون في مكمن ملحي كربوناتي، مع خطة أولية لاحتجاز ما لا يقل عن 18 ألف طن سنوياً من منشآت «فرتيغلوب» في الإمارات، إلى جانب الاستناد إلى منشأة «الريادة» التي تبلغ قدرتها 800 ألف طن سنوياً. لكن وجود سياسة ومشاريع تشغيلية لا يلغي الحاجة إلى أبحاث أدق على مستوى الصخور المحلية، لأن سلامة التخزين الطويل الأمد تعتمد على خصائص كل تكوين جيولوجي لا على الشعار العام للتقنية.
ما الذي يجب عدم المبالغة فيه الآن؟
الأهم هنا هو تجنب الخلط بين الإمكان العلمي والإثبات التجاري. البحث لا يثبت أن كل مكامن النفط أو الغاز القديمة في الإمارات صالحة تلقائياً لتصبح خزائن دائمة للكربون. ولا يثبت أيضاً أن التحول إلى «حجر» سيحدث سريعاً أو بكفاءة تكفي وحدها لحل مشكلة الانبعاثات. المعايير الحاسمة تشمل سلامة الغطاء الصخري، واستقرار الآبار القديمة، وضبط الضغط، ومراقبة الهجرة المحتملة للغاز، وتكاليف الالتقاط والنقل والحقن والمتابعة. وحتى وفق الأدبيات الدولية، يبقى التخزين الجيولوجي حزمة من آليات متداخلة تشمل الاحتجاز البنيوي، والاحتجاز الشعري، والذوبان في المياه المالحة، ثم الاحتجاز المعدني على مدى أطول، وليس عملية واحدة بسيطة.
ما الذي قد تغيّره هذه الدراسة فعلاً؟
إذا نجح هذا المسار البحثي، فقد يقدم شيئاً بالغ الأهمية للإمارات: نماذج محلية لسلوك ثاني أكسيد الكربون في بيئة كربوناتية خليجية، بدلاً من الاعتماد على افتراضات مستوردة من جيولوجيا مختلفة. هذا لا يعني تحولاً فورياً في السوق، لكنه قد يحسن قرارات اختيار المواقع، وتصميم ضغوط الحقن، وآليات المراقبة، وتقدير مدى بقاء الكربون تحت الأرض بأمان. ما تغيّره الدراسة اليوم هو مستوى السؤال العلمي: من «هل يمكن تخزين الكربون؟» إلى «في أي صخور تحديداً، وتحت أي شروط، وبأي درجة من اليقين؟». أما ما لا تثبته حتى الآن فهو أن الإمارات حسمت ملف التخزين واسع النطاق، أو أن كل فراغ جيولوجي تركه النفط يمكن أن يتحول تلقائياً إلى خزان دائم للكربون.
