بحث يجري في جامعة نيويورك أبوظبي يضع العربية في قلب علم الأعصاب المعرفي، لا بوصفها مادة تعليم فقط، بل كنظام بصري ولغوي قد يكشف كيف يقرأ الدماغ وكيف يمكن تحسين أدوات التقييم والدعم.
اسم الصحفي يحدد لاحقاً
الإجابة القصيرة هي: نعم، من المرجح أن الخصائص البصرية للخط العربي تجعل الدماغ يعالج القراءة بطريقة تختلف في بعض مراحلها عن أنظمة كتابة أخرى، لكن هذا لا يعني وجود «دماغ عربي» منفصل، ولا يعني أيضاً أن الباحثين توصلوا إلى علاج لعسر القراءة أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. ما يجري في جامعة نيويورك أبوظبي هو محاولة أدق لفهم كيف تؤثر عناصر مثل اتصال الحروف وتباعدها وتعقيد أشكالها في حركة العين والاستجابة العصبية أثناء القراءة.
من إعلان مؤسسي إلى سؤال علمي مفتوح
في 16 سبتمبر 2026 نشرت جامعة نيويورك أبوظبي مادة تعريفية عن عمل الباحثة الإماراتية ميثاء الشحي ضمن مركز الدماغ والصحة، موضحة أنها تستخدم تتبع العين وتقنية التصوير الدماغي بالمغناطيسية MEG لدراسة كيفية معالجة الدماغ للغة العربية المكتوبة. وحتى 7 أكتوبر 2026، ما أمكن التحقق منه علناً هو هذا العرض المؤسسي وصفحات المختبر التابعة للجامعة، وهي تشرح مسار البحث وأهدافه، لكنها ليست بديلاً من ورقة محكّمة نهائية تنقل نتائج سريرية حاسمة. لذلك فالأدق صحافياً هو التعامل مع المشروع باعتباره برنامجاً بحثياً جارياً، لا نتيجة نهائية مكتملة.
لماذا تبدو العربية حالة علمية خاصة؟
خصوصية العربية هنا ليست ثقافية فقط بل بصرية أيضاً. فالخط العربي شبه موصول، وبعض الحروف يتصل وبعضها لا يتصل، كما تتبدل هيئة الحرف بحسب موقعه داخل الكلمة. هذه السمات قد تزيد ما يسميه الباحثون «الازدحام البصري»، أي صعوبة تمييز العنصر عندما يكون محاطاً بعناصر متشابهة ومتقاربة. لهذا تعيد الشحي تصميم تجارب تقيس أثر اتصال الحروف والمسافات بينها على حركة العين وعلى الإشارات الدماغية الملتقطة بالـMEG على مستوى أجزاء الألف من الثانية. الفكرة الأساسية أن العربية ليست مجرد نسخة تُقاس عليها نظريات صيغت بالإنجليزية، بل نموذج قد يختبر حدود تلك النظريات نفسها.
ما الذي تقيسه الأجهزة فعلياً؟
تتبع العين يوضح أين ينظر القارئ وكم يمكث على الكلمة ومتى يعود إلى الخلف أثناء القراءة. أما الـMEG فيرصد الإشارات المغناطيسية الدقيقة الناتجة عن نشاط الدماغ، ما يساعد على معرفة توقيت المعالجة ومناطقها بصورة غير جراحية. ووفق المادة المنشورة من الجامعة، تعرض الكلمات للمشارك بسرعة وفي مواضع مختلفة لالتقاط ما يعرف بأثر المعاينة المسبقة، أي بدء معالجة الكلمة قبل تثبيت النظر عليها مباشرة. الجمع بين الأداتين مهم لأنه يربط السلوك المرئي على الشاشة بما يحدث داخل الدماغ في اللحظة نفسها تقريباً.
ما القيمة التعليمية والسريرية من دون مبالغة؟
الأهمية العملية تظهر في مسارين. الأول تعليمي، إذ تقول الجامعة إن الفريق يعمل مع الأكاديمية الوطنية لتنمية الطفولة على دراسة أطفال بين 8 و12 عاماً، بمن فيهم أطفال لديهم عسر قراءة أو ADHD، لفهم أي خصائص في الخط العربي تجعل القراءة أسهل أو أصعب. الثاني سريري، عبر تعاون مع كليفلاند كلينك أبوظبي في دراسة مرضى الصرع لفحص كيفية معالجة الدماغ للعربية المنطوقة بما قد يساعد في تحديد مواضع النوبات والتخطيط لما قبل الجراحة. لكن هذه التطبيقات المحتملة تعني تحسين الفهم وأدوات الدعم والتقييم، لا إثبات علاج أو فعالية سريرية مكتملة.
ما الذي تقوله المقارنات المتاحة حتى الآن؟
في السياق الأوسع، بدأت أبحاث منشورة من داخل الإمارات نفسها تبيّن أن بعض الافتراضات الشائعة في لغات لاتينية لا تنتقل ببساطة إلى العربية. ففي دراسة محكّمة نُشرت في أبريل 2026 حول أثر المسافات بين الكلمات في القراءة العربية، وجد باحثون من جامعة الإمارات العربية المتحدة أن التلاعب بالمسافات بين الكلمات لم يعطل حركات العين المرتبطة بالقراءة كما تفترض أدبيات كثيرة مستندة إلى لغات رومانية، مع ظهور تأثير واضح على برمجة الحركات السريعة للعين. هذا لا يطابق مباشرة مشروع جامعة نيويورك أبوظبي، لكنه يعزز الفرضية الأوسع: بنية العربية البصرية قد تفرض على الباحثين نماذج أكثر تخصيصاً عند دراسة القراءة.
ما الذي يتغير فعلاً، وما الذي لا يزال يحتاج إلى إثبات؟
التحول الحقيقي هنا أن العربية تدخل مختبر علم الأعصاب بوصفها مصدراً للمعرفة، لا مجرد موضوع تعريب أو تعليم. فإذا ثبتت النتائج في دراسات محكمة وعلى عينات أوسع، فقد تنعكس على تصميم أدوات تقييم القراءة، وطرائق التدخل المبكر، وحتى على فهم أدق للفروق بين القارئ المتمرس والقارئ المبتدئ. لكن ما لا يمكن قوله الآن هو أن خصائص الخط العربي تفسر وحدها صعوبات التعلم، أو أن المشروع قدم علاجاً لعسر القراءة أو ADHD. المرحلة الحالية أقرب إلى بناء خريطة أوضح لكيفية القراءة في العربية، وهي خطوة مهمة بحد ذاتها، لكن قيمتها النهائية ستتحدد بقدر ما تنتقل من العرض المؤسسي إلى الأدلة المنشورة والقابلة للتكرار.
