أرقام جامعة البحرين: هل تتجه منظومة البحث العلمي من جمع المخرجات إلى بناء الأثر؟

الحصيلة التي أعلنتها جامعة البحرين حتى أغسطس 2026 تبدو لافتة في الحجم، لكن قيمتها الأهم ليست في العدد وحده، بل في ما تكشفه عن محاولة تحويل البحث العلمي إلى عمل مؤسسي منظم يمكن قياسه ومراجعته وتطويره.

لا يُقاس تطور البحث العلمي بعدد المنشورات والمؤتمرات فقط، بل بقدرة الجامعة على تحويل هذه الأنشطة إلى أثر معرفي وتعليمي وتطبيقي مستدام. من هذه الزاوية، فإن الأرقام التي عرضتها جامعة البحرين في 14 سبتمبر 2026 لا تصلح بوصفها شهادة جودة نهائية، لكنها تكشف شيئاً أكثر أهمية: أن البحث لم يعد نشاطاً متفرقاً يعتمد على مبادرات فردية فقط، بل أصبح أقرب إلى بنية مؤسسية لها أدوات نشر وتدريب ومؤتمرات ومجموعات بحثية وأولويات معلنة. وهذا تحول مهم في جامعة وطنية تعمل داخل سوق تعليم عالٍ يخضع بدوره لأطر مراجعة وجودة رسمية في البحرين.


ما الذي أُعلن فعلياً؟


بحسب بيان الجامعة، استعرضت عمادة الدراسات العليا والبحث العلمي حصيلة الفترة من 2023 حتى أغسطس 2026، وتضمنت 1264 منشوراً علمياً في المجلات التي تصدرها العمادة، و2357 ورقة علمية ضمن 36 مؤتمراً علمياً نظمتها العمادة، و54 ورشة تدريبية استهدفت أعضاء الهيئة الأكاديمية وطلبة الدراسات العليا وطلبة البكالوريوس، إضافة إلى تطوير المجموعات البحثية وتحديد أولويات البحث العلمي وتعزيز العمل متعدد التخصصات. كما أشار البيان إلى معدل رضا بلغ 96% عن أنشطة البحث العلمي. هذه كلها مؤشرات مؤسسية ذاتية التقرير، أي إنها تصف نشاط المنظومة كما تقدمه الجامعة نفسها، ولا تكفي وحدها للحكم على جودة كل مخرج أو مقارنته تلقائياً بمؤسسات أخرى.


بين البيان المؤسسي والنشر العلمي المحكَّم


هنا تظهر نقطة التمييز الأساسية. الإعلان المؤسسي يقول إن هناك نشاطاً بحثياً كثيفاً وبنية تشغيلية تتحرك. لكنه ليس بديلاً عن تقييم الأثر العلمي عبر الاستشهادات، وجودة المجلات، وحجم التمويل التنافسي، واستمرارية الشراكات، ومدى انتقال المعرفة إلى الصناعة أو السياسات العامة. الجامعة نفسها تنشر مؤشرات أخرى في تقاريرها السنوية تساعد على توسيع القراءة؛ ففي تقريرها السنوي لعام 2025 تحدثت عن 3463 منشوراً إجمالياً خلال خمس سنوات، منها 3268 عملاً مفهرساً في سكوبس، وعن 548 مقالة منشورة في مجلات سكوبس خلال 2025 وحدها، إلى جانب 539 ورقة مؤتمرات. كما أظهر تقرير 2023 أن أعضاء هيئة التدريس نشروا 683 بحثاً مفهرساً في سكوبس في ذلك العام. هذه الأرقام لا تتطابق في التعريف مع أرقام بيان سبتمبر، لكنها تؤكد أن الجامعة تبني أكثر من قناة لقياس النشاط البحثي، وهو أمر مؤسسي بحد ذاته.

لماذا يهم ذلك اجتماعياً وصناعياً؟


أهمية هذا التحول لا تكمن في تحسين صورة الجامعة فقط، بل في خلق سلسلة إنتاج معرفي داخلية: تدريب، نشر، مؤتمرات، تحديد أولويات، ثم ربط ذلك بتخصصات متقاطعة. هذه السلسلة مهمة لاقتصادات الخليج الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنظيم المعرفة محلياً، لا الاكتفاء باستهلاكها. لكن الانتقال من النشاط إلى الأثر يظل مشروطاً بسؤالين: هل تنتج هذه المنظومة أبحاثاً تُستخدم خارج أسوار الجامعة؟ وهل تتجه نحو حل مشكلات مرتبطة بالطاقة، والصحة، والتحول الرقمي، والاستدامة، والتمويل، وهي المجالات التي ركزت عليها مؤتمرات الجامعة وورشها وصفحاتها البحثية؟ وجود هذه المجالات في الأجندة مؤشر إيجابي، لكنه ليس دليلاً تلقائياً على أثر اقتصادي أو تنظيمي مباشر.

مقارنة مفيدة: ماذا نستطيع أن نقارن وماذا لا نستطيع؟


المقارنة السليمة هنا ليست بين رقم كبير ورقم أصغر، بل بين ما هو قابل للمقارنة فعلاً. عدد الأوراق في المؤتمرات لا يساوي عدد المقالات المحكمة، والنشر في مجلات تصدرها العمادة لا يعادل بالضرورة النشر في قواعد بيانات دولية مفهرسة. كذلك لا يجوز تحويل معدل الرضا إلى برهان على جودة البحث نفسه. ما يمكن قوله بثقة هو أن الجامعة توسع أدواتها المؤسسية في إدارة البحث، وأن هذا يحدث داخل بيئة بحرينية تهتم أكثر بأطر المراجعة والاعتماد والجودة في التعليم العالي. وعلى المستوى الأوسع، تشير بيانات البنك الدولي المستندة إلى معهد اليونسكو للإحصاء إلى أن إنفاق البحرين على البحث والتطوير بلغ 0.19% من الناتج المحلي الإجمالي في أحدث سنة متاحة، ما يوضح أن أي تراكم بحثي داخل الجامعات يظل مهماً لكنه يعمل ضمن قاعدة وطنية ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوسيع والتمويل والربط بالتطبيق.


ما الذي يجب مراقبته بعد ذلك؟


المرحلة التالية ليست إعلان أرقام إضافية فقط، بل تقديم أدلة أوضح على الأثر: كم مشروعاً بحثياً ممولاً أنتجته هذه المنظومة؟ ما حجم التعاون الدولي النشط؟ كيف تُقاس جودة المجموعات متعددة التخصصات؟ وهل ترتبط الأولويات البحثية بحاجات الاقتصاد البحريني وسوق العمل والخدمات العامة؟ لدى الجامعة بالفعل صفحات ومؤشرات محدثة عن البحث متعدد التخصصات وورش تنمية المهارات، ما يعني أن البنية الإدارية للمتابعة موجودة. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في إظهار المسار من الورقة العلمية أو المؤتمر إلى نتيجة قابلة للاستخدام أو إلى شراكة طويلة الأجل أو إلى تطوير في السياسات أو التعليم أو الابتكار. عندها فقط تتحول الأرقام من حصيلة نشاط إلى دليل أثر. خلاصة أن ما أعلنته جامعة البحرين لا يثبت تلقائياً تفوقاً نوعياً على غيرها، ولا يضمن أن كل ما نُشر أو قُدم في المؤتمرات يحمل القيمة نفسها. لكنه يثبت أمراً آخر أكثر واقعية: هناك محاولة واضحة لبناء منظومة بحث علمي تعمل بمنطق المؤسسة لا بمنطق الجهد المتفرق. بالنسبة إلى القارئ الخليجي، هذه هي النقطة التي تستحق المتابعة؛ لأن مستقبل الجامعات في المنطقة لن يُحسم بعدد الفعاليات وحده، بل بقدرتها على تحويل التنظيم الداخلي للبحث إلى معرفة ذات أثر يمكن التحقق منه خارج البيان المؤسسي.

Scroll to Top