بحث منشور لجامعة الإمارات العربية المتحدة يوضح كيف يمكن للنمذجة بالذكاء الاصطناعي أن تساعد في ضبط القوام أثناء تطوير المنتجات الغذائية، لكن من دون أن يعني ذلك وجود منتج جديد في الأسواق أو حل جاهز لمشكلة الهدر.
اسم الصحفي يحدد لاحقاً
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المصانع على إعادة ضبط القوام والمذاق وتقليل الهدر؟ الإجابة القصيرة: نعم، ولكن ضمن حدود واضحة. ما نُشر حديثاً من باحثين في جامعة الإمارات العربية المتحدة يبين أن أدوات التعلّم الآلي تستطيع قراءة العلاقة بين تركيز الزيت وسلوك المايونيز أثناء التدفق والخلط، بما يساعد على تصميم وصفات أقرب إلى القوام المطلوب قبل التوسع في التجربة الصناعية. هذا مهم لأن جزءاً من الهدر في الصناعات الغذائية لا يرتبط فقط ببقايا الطعام بعد الاستهلاك، بل أيضاً بالمحاولات المتكررة داخل مراحل التطوير والإنتاج.
ما الذي ثبّته البحث فعلاً؟
النتيجة المؤكدة هي أن باحثين من جامعة الإمارات نشروا في مارس/آذار 2026 مقالاً محكّماً في مجلة Journal of Food Engineering، وليس مجرد مادة تعريفية أو إعلان مؤسسي. الدراسة دمجت اختبارات ريولوجية فعلية لعينات مايونيز مختلفة المحتوى الزيتي مع نماذج تعلّم آلي للتنبؤ باللزوجة. ووفق ملخص النشر، فإن زيادة نسبة الزيت رفعت اللزوجة وإجهاد الخضوع والبنية اللزجة المرنة، فيما كانت عينة تحتوي 70% من الزيت الأقرب، من حيث الخصائص المدروسة، إلى العينة التجارية المرجعية. كما سجل نموذج XGBoost أعلى دقة تنبؤية بين النماذج المستخدمة، بمعامل تفسير بلغ 0.966.
لماذا يتجاوز الأمر مجرد تحسين وصفة مخبرية؟
الأهمية هنا ليست في المايونيز بحد ذاته، بل في فكرة أوسع: دخول الذكاء الاصطناعي إلى تصميم المنتجات اليومية التي يشتريها المستهلك من السوبرماركت. في الصناعات الغذائية، القوام ليس تفصيلاً ثانوياً؛ هو جزء من تجربة المنتج، ومن ثبات الجودة بين دفعة وأخرى، ومن كفاءة خطوط الإنتاج. عندما تصبح العلاقة بين المكونات وسلوك المنتج قابلة للنمذجة، يمكن للمصنع أن يقلل عدد التجارب العشوائية، وأن يضبط المعادلة بين القوام والكلفة والمواد الخام بشكل أسرع. لكن ذلك لا يعني أن الخوارزمية “تبتكر الطعم” وحدها؛ فهي تعمل هنا كأداة مساعدة لقراءة البيانات والتنبؤ، لا كبديل عن الاختبار الحسي أو التحقق الصناعي الواسع.
أين تظهر صلة هذا الاتجاه بالهدر الغذائي في الخليج؟
الربط بين هذا النوع من الأبحاث وتقليل الهدر يجب أن يكون دقيقاً. الدراسة نفسها لم تختبر بقايا الطعام، ولم تعلن تطوير منتج تجاري، ولم تقدم قياساً مباشراً لكمية نفايات يمكن تجنبها. لكن من الناحية الصناعية، تحسين التنبؤ بخصائص المنتج قد يقلل هدر التجارب الفاشلة وإعادة التشغيل واستهلاك المواد في مرحلة التطوير. هذه الزاوية تكتسب وزناً في منطقة تضع ملف الهدر الغذائي ضمن أولوياتها. تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2024 قدّر أن العالم ولّد 1.05 مليار طن من نفايات الطعام في 2022، أي نحو 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين، مع 60% من الهدر على مستوى المنازل. كما أشار إلى أن السعودية من الدول التي لديها تقديرات منزلية مناسبة للمتابعة، بينما ما تزال بلدان كثيرة تحتاج إلى خطوط أساس أفضل.
في الإمارات، تُظهر الوثائق الحكومية أن ملف الهدر الغذائي يُعامل بوصفه جزءاً من الأمن الغذائي والاستدامة. تقرير وطني حول أهداف التنمية المستدامة أشار إلى أن نحو ثلث الطعام المُحضّر في الدولة يذهب هدراً، مع تكلفة تُقدّر بنحو 6 مليارات درهم، كما ربط بين ذلك وإطلاق مبادرة «نعمة» في 2023 بهدف خفض الفاقد والهدر الغذائي إلى النصف بحلول 2030. وفي رمضان 2024، أعلنت المبادرة إنقاذ وإعادة توزيع 156,227 كيلوغراماً من الفائض الطازج لصالح أكثر من 5,000 أسرة.
ما الذي يعنيه ذلك للمصانع والمستهلكين، وما الذي لا يعنيه؟
بالنسبة للمصانع، الرسالة العملية هي أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى طبقة إضافية في تطوير الأغذية: توقع أسرع، تجارب أقل، وفهم أفضل لتأثير تغيير المكونات على القوام. وهذا مفيد خصوصاً في المنتجات الحساسة مثل المستحلبات والصلصات والبدائل البروتينية. أما بالنسبة للمستهلك، فلا يوجد في هذا البحث ما يثبت فائدة صحية مباشرة، أو انخفاضاً مضموناً في الأسعار، أو اقتراب طرح منتج جديد بعينه. كذلك لا يجوز تحويل تقارب عينة 70% زيت مع منتج تجاري إلى توصية استهلاكية أو معيار نهائي للسوق، لأن الدراسة تتعلق بظروف اختبار محددة وبمؤشرات فيزيائية محددة.
الخطوة التالية: من المختبر إلى التطبيق المنضبط
ما يغيّره هذا البحث فعلاً هو توسيع فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي في الصناعة الغذائية من مراقبة الجودة فقط إلى المساهمة في تصميم المنتج نفسه. وما لا يثبته هو أن الهدر الغذائي سيُحل بخوارزمية، أو أن كل نتائج المختبر ستنتقل تلقائياً إلى المصنع. ما يحتاج إلى متابعة لاحقة هو: هل ستختبر النماذج نفسها على تركيبات ومكونات أخرى؟ هل ستعمل بالكفاءة ذاتها على نطاق إنتاجي كبير؟ وهل يمكن وصل هذا النوع من النمذجة بمسار أوسع يشمل الاستفادة من الفائض أو المكونات الثانوية في التصميم الغذائي من دون الإضرار بالجودة أو السلامة؟ إلى أن تظهر هذه الإجابات، يبقى البحث مؤشراً مهماً على اتجاه صناعي صاعد في الخليج: الذكاء الاصطناعي لا يدخل الأغذية بوصفه دعاية تقنية، بل كأداة لقراءة المادة نفسها قبل أن تصل إلى الرف.


