في البحرين.. هل يبدأ التعامل مع الميكروبلاستيك بالتفكيك لا بالفلترة فقط؟

مشروع بحثي في جامعة البحرين يطرح اتجاهاً مختلفاً: الانتقال من التقاط الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من الماء إلى محاولة تكسيرها كيميائياً، لكن بين الفكرة والتطبيق الصناعي ما تزال هناك مراحل إثبات طويلة.

اسم الصحفي يحدد لاحقاً

الإجابة المختصرة هي: نعم، على مستوى البحث العلمي تظهر محاولة واضحة للانتقال من منطق «الالتقاط والعزل» إلى منطق «التفكيك والتحويل». لكن هذا الانتقال لم يصبح بعد بديلاً جاهزاً عن الفلترة والمعالجة التقليدية. ففي المواد التي نشرتها جامعة البحرين ضمن دعم البحوث متعددة التخصصات، يظهر مشروع بعنوان «مفاعل لتفكيك الميكروبلاستيك» تقوده الدكتورة سعاد أ. رشدان ضمن تقاطع النانو والهندسة البيئية والكيمياء، ما يعني أن الفكرة المطروحة ليست جمع الجسيمات فقط، بل السعي إلى تكسيرها داخل مفاعل بحثي.

لكن أهمية هذا الإعلان تكمن في زاويته العلمية أكثر من كونه إعلاناً عن منتج جاهز. الصفحة الجامعية المحدثة في 5 أغسطس 2026 تعرض المشروع ضمن قائمة مشروعات بحثية مدعومة مؤسسياً، ولا تقدم بحد ذاتها بيانات أداء تفصيلية تكفي للقول إن التقنية وصلت إلى الاستخدام الصناعي أو التجاري. هذا فارق أساسي يجب الحفاظ عليه عند قراءة أي خبر من هذا النوع.

من إعلان مؤسسي إلى سؤال علمي أوسع


ما أكدته جامعة البحرين هو وجود المشروع داخل منظومة البحوث البينية التي تديرها عمادة الدراسات العليا والبحث العلمي، لا نشر نتائج نهائية عنه. والجامعة نفسها عرضت في سبتمبر 2026 حصيلة نشاطها البحثي حتى أغسطس من العام نفسه، بما يعكس توجهاً مؤسسياً لتعزيز هذا النوع من الأبحاث المتقاطعة بين تخصصات متعددة.

لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس ما إذا كانت البحرين أعلنت «حلاً نهائياً» للميكروبلاستيك، بل ما إذا كان مسار المعالجة عالمياً بدأ يضيف إلى الفلترة مساراً آخر يقوم على التدمير الكيميائي أو التحلل الضوئي أو التحفيزي. والمراجعات العلمية الحديثة تشير فعلاً إلى أن معالجة الميكروبلاستيك في المياه تنقسم بصورة عامة إلى مسارين: الفصل أو الالتقاط من جهة، والتفكيك أو التحويل من جهة أخرى، مع بقاء تحديات كبيرة أمام الوصول إلى «تمعدن» كامل وآمن للجسيمات إلى نواتج غير ضارة.


ما الفرق بين إزالة الجسيمات وتدميرها فعلياً؟


الفلترة والأغشية والتخثير والتعويم يمكنها خفض عدد الجسيمات في المياه عبر احتجازها أو فصلها عن التيار المائي. هذه أدوات مهمة، بل إن بعض المراجعات تذكر أن كفاءة الإزالة في محطات المعالجة قد ترتفع إلى مستويات عالية، لكن ذلك لا يعني اختفاء البلاستيك نهائياً؛ إذ غالباً ما ينتقل إلى الحمأة أو إلى تيار نفايات آخر يحتاج إلى إدارة لاحقة. كما أن الجسيمات الأصغر كثيراً، خصوصاً ما دون الميكرومتر، تبقى أكثر صعوبة في الرصد والمعالجة.

أما التفكيك الفعلي، ففكرته مختلفة: كسر سلاسل البوليمر نفسها باستخدام الضوء أو المحفزات أو الأكسدة المتقدمة أو التفاعلات الحرارية أو الأنزيمية، بحيث لا يقتصر العلاج على نقل الملوث من وسط إلى آخر. غير أن هذا المسار أصعب بكثير علمياً وتشغيلياً، لأن النجاح لا يقاس فقط باختفاء الجسيم المرئي، بل أيضاً بطبيعة النواتج الثانوية، واستهلاك الطاقة، وثبات المواد النانوية أو المحفزات، وإمكانية تشغيل المفاعل بأمان وكلفة مقبولة. المراجعات الحديثة حول التفكيك الضوئي التحفيزي تشدد على أن قابلية التوسع الصناعي ما زالت مقيدة بهذه الأسئلة.


ما الذي تقوله المؤشرات المتاحة عن مشروع جامعة البحرين؟


المؤشر المؤكد هو وجود مشروع «مفاعل لتفكيك الميكروبلاستيك» ضمن أولويات البحث البيني في الجامعة، مع ربطه بتخصصات النانو والهندسة البيئية والكيمياء. هذا الربط مهم لأنه يوحي بأن النهج المقترح ليس ميكانيكياً صرفاً، بل يعتمد على بيئة تفاعل داخل مفاعل مصمم للتعامل مع الجسيمات كيميائياً أو تحفيزياً. لكن ما لا تقوله الصفحة المؤسسية هو الأهم أيضاً: لا تعرض معدل التحلل، ولا نوع البوليمرات المستهدفة، ولا إن كانت التجارب مخبرية أم نصف صناعية، ولا ما إذا كانت النواتج النهائية قد دُرست سمياً أو بيئياً.

وفي السياق البحثي الأوسع، تظهر باسم الباحثة نفسها ورقة منشورة عام 2025 حول التحلل الضوئي لميكروبلاستيك البوليسترين تحت ضوء الشمس الطبيعي، ومدعومة بمنحة من جامعة البحرين. هذه الورقة لا تثبت أن المفاعل المعلن هو نفسه ما نُشر علمياً، لكنها توضح أن هناك مساراً بحثياً فعلياً لدى الفريق أو الباحثة في موضوع تفكيك الجسيمات الدقيقة لا مجرد رصدها.


لماذا يهم هذا التوجه خليجياً؟


أهمية أي تقدم في معالجة ملوثات المياه تتضاعف في الخليج لأن أمن المياه في دول مجلس التعاون مرتبط بدرجة كبيرة بالتحلية وإعادة الاستخدام وكفاءة إدارة المياه. تقارير البنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أن دول الخليج من أكثر المناطق ارتباطاً بين ملفي الماء والطاقة، وأن التحلية تغطي الجزء الأكبر من الاحتياجات اليومية للمياه في عدة دول من بينها البحرين. لذلك، فإن أي تقنية تعد بخفض ملوثات دقيقة في المياه من دون الاكتفاء بنقلها من مجرى إلى آخر تستحق المتابعة، حتى لو كانت ما تزال في مرحلة مبكرة.

لكن هذه الأهمية لا تعني تلقائياً قرب التطبيق. ففي بيئات الخليج، سيتعين على أي مفاعل من هذا النوع أن يثبت تحمله لخصائص مياه مختلفة، وكفاءته مع ملوحة مرتفعة أو مياه صرف معقدة، وقدرته على العمل بتكلفة وطاقة مقبولتين. ومن دون هذه البيانات، يبقى الحديث عن الأثر الصناعي أو البلدي سابقاً لأوانه. هذا ما يجعل الفرق بين «البحث الواعد» و«الحل الجاهز» فرقاً جوهرياً لا تفصيلاً لغوياً.


ما الذي تغيّره الفكرة الآن، وما الذي لا تثبته بعد؟


الذي تغيّره هذه الفكرة فعلاً هو زاوية النقاش: معالجة الميكروبلاستيك لم تعد محصورة في السؤال التقليدي عن أفضل مرشح أو غشاء أو وسيلة فصل، بل أصبحت تشمل سؤالاً أصعب: هل يمكن تدمير الجسيم نفسه قبل أن ينتقل إلى بيئة أخرى؟ وجود مشروع بهذا العنوان في جامعة بحرينية خلال 2026 يعكس أن هذا السؤال صار جزءاً من الأجندة البحثية الخليجية أيضاً.

أما ما لا يثبته الإعلان حتى 6 أكتوبر 2026، فهو أن المفاعل بات جاهزاً للتطبيق الصناعي، أو أن التقنية تتفوق اقتصادياً على الفلترة، أو أنها تحقق تفكيكاً كاملاً وآمناً لكل أنواع الميكروبلاستيك. ما يحتاج إلى تحقق لاحق واضح: نشر علمي محكم يشرح آلية العمل، ونتائج مقارنة على أنواع مختلفة من البوليمرات، وبيانات عن النواتج الثانوية واستهلاك الطاقة وقابلية التوسع. إلى أن تظهر هذه الطبقة من الأدلة، يبقى المشروع إشارة مهمة إلى اتجاه البحث، لا إعلاناً عن حل نهائي.

Scroll to Top