كيف تلتقي ذاكرة HBM الكورية مع طفرة مراكز البيانات في الخليج؟

الترابط القائم اليوم ليس صفقة مباشرة معلنة بين سيول والخليج بقدر ما هو تداخل في سلسلة القيمة العالمية: كوريا الجنوبية تزوّد سوق الذكاء الاصطناعي بذاكرة متقدمة، فيما تسرّع الإمارات والسعودية بناء البنية التحتية التي تستهلك هذا النوع من الحوسبة.

لم تعد المنافسة في الذكاء الاصطناعي تُقاس بالنماذج البرمجية وحدها، بل بقدرة الدول والشركات على تأمين الكهرباء، والخوادم، ومراكز البيانات، والرقائق القادرة على تشغيل أعباء التدريب والاستدلال بكفاءة. وفي قلب هذه المعادلة برزت ذاكرة النطاق الترددي العالي HBM بوصفها أحد المكونات الأكثر حساسية في خوادم الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضع شركات الذاكرة الكورية الجنوبية في موقع محوري، بالتوازي مع تسارع الاستثمارات الخليجية في السحابة والحوسبة السيادية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.


HBM تحولت من منتج متخصص إلى عنق زجاجة في عصر الذكاء الاصطناعي


الطلب على HBM ارتفع لأن معالجات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى ذاكرة قريبة جدًا من المسرّعات الرسومية وبعرض نطاق هائل لنقل البيانات. ولهذا السبب لم يعد الحديث عن أشباه الموصلات في الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على وحدات GPU من إنفيديا أو AMD، بل يشمل أيضًا من يملك القدرة على إنتاج الذاكرة المتقدمة بكميات مستقرة وعوائد تصنيع كافية.

في هذا المجال، تتحرك كوريا الجنوبية عبر قطبين رئيسيين. سامسونغ إلكترونكس وسّعت خريطتها في HBM من خلال HBM3E ثم أعلنت في فبراير 2026 بدء الإنتاج الضخم لـ HBM4 وشحن منتجات تجارية للعملاء، مع حديثها عن زيادة قوية في مبيعات هذه الفئة خلال العام. أما SK hynix فواصلت تقديم نفسه بوصفه لاعبًا مركزيًا في ذاكرة الذكاء الاصطناعي، بعد بدء الإنتاج الكمي لـ HBM3E ذات 12 طبقة في 2024، ثم إعلان استكمال تطوير HBM4 والاستعداد للإنتاج الضخم في 2025، مع توسيع عرضه لحلول الذاكرة الموجهة لمراكز البيانات في 2026.


الخليج لا يبني رقائق متقدمة بعد، لكنه يبني بيئة استهلاكها


اللافت في الخليج أن الرهان لا ينطلق من تصنيع الذاكرة أو المسرّعات، بل من بناء الطبقة التي تحتاج إليها هذه الرقائق: مراكز بيانات ضخمة، سحابة محلية، بنية سيادية للبيانات، وتمويل طويل الأجل للطاقة والاتصال. وهذا ما يجعل العلاقة مع الصناعة الكورية علاقة غير مباشرة ولكنها واقعية.

في الإمارات، يتقدم المسار من بوابة أبوظبي تحديدًا. الحكومة أعلنت هدفًا يتمثل في بناء حكومة “مولودة بالذكاء الاصطناعي” بحلول 2027، مدعومة باستثمار يبلغ 13 مليار درهم ضمن الاستراتيجية الرقمية 2025-2027. كما دخلت مايكروسوفت في 2024 باستثمار استراتيجي قيمته 1.5 مليار دولار في G42، قبل أن يتوسع التعاون لاحقًا في مشاريع سحابية وسيادية داخل الدولة. وفي مايو 2025 أُعلن عن مشروع Stargate UAE بوصفه أول انتشار دولي لمنصة البنية التحتية التابعة لـ OpenAI، مع خطة لمجمع بقدرة 1 غيغاواط في أبوظبي، على أن يبدأ تشغيل 200 ميغاواط منه في 2026.


السعودية تنتقل من الاستراتيجية إلى منصات تنفيذ وتمويل


في السعودية، باتت الصورة أوضح من حيث البناء المؤسسي. الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي تضع هدفًا لتحويل المملكة إلى مركز عالمي لتمكين تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، مع جذب استثمارات تقارب 75 مليار ريال في هذا المجال. لكن التطور الأهم خلال العامين الأخيرين كان انتقال الملف من مستوى الاستراتيجية العامة إلى منصات تنفيذ تحمل أسماء وشركات وموازنات.

إطلاق HUMAIN في مايو 2025 تحت ملكية صندوق الاستثمارات العامة جاء مع تفويض واضح يشمل مراكز بيانات الجيل الجديد والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية. وبعدها أعلنت AWS وHUMAIN خططًا لاستثمار يتجاوز 5 مليارات دولار لبناء “منطقة ذكاء اصطناعي” في المملكة، بينما قالت AWS أيضًا إن منطقتها السحابية الأولى في السعودية، التي أُعلن عنها أصلًا في 2024، تمثل استثمارًا مخططًا بأكثر من 5.3 مليارات دولار مع تشغيل مرتقب في 2026. وفي مطلع 2026 وُقع إطار تمويلي قد يصل إلى 1.2 مليار دولار بين HUMAIN وصندوق البنية التحتية الوطني لدعم مشاريع البنية الرقمية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.


أين الرابط الفعلي مع كوريا؟ في سلسلة الإمداد العالمية لا في اتفاقات ثنائية مؤكدة


حتى الآن، لا توجد قاعدة كافية للقول إن الإمارات أو السعودية أبرمتا، على نحو مباشر ومعلن، صفقات مركزية مع سامسونغ أو SK hynix لتوريد HBM ضمن مشاريع البنية التحتية المحلية. لذلك فإن تصوير المشهد على أنه شراكة كورية-خليجية مباشرة سيكون مبالغة لا تسندها الوقائع المعلنة.

لكن الرابط الفعلي موجود على مستوى أعمق: كل توسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الخليج يمر غالبًا عبر خوادم ومسرّعات عالمية تعتمد على ذاكرة HBM. وبما أن الشركات الكورية تحتل موقعًا رئيسيًا في هذه الحلقة، فإنها تستفيد من نمو الطلب الخليجي حتى عندما يكون العميل المباشر شركة أمريكية للحوسبة السحابية، أو مزودًا عالميًا للمسرّعات، أو مُجمّعًا للخوادم. بعبارة أخرى، الخليج يوسّع الطلب على طبقة الحوسبة، وكوريا توفّر جزءًا أساسيًا من الذاكرة التي تجعل هذه الحوسبة ممكنة.


ما الذي يجب مراقبته بعد ذلك؟


السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان هناك رابط بين الجانبين، بل كيف سيتحول هذا الرابط من ترابط بنيوي إلى علاقات أعمال أكثر وضوحًا. وهذا يتوقف على ثلاثة مؤشرات: أولًا، سرعة تنفيذ مشاريع مراكز البيانات المعلنة في أبوظبي والسعودية مقارنة بالجداول الزمنية الرسمية؛ ثانيًا، قدرة الشركات الكورية على الحفاظ على إمدادات HBM4 والأجيال اللاحقة وسط شدة الطلب العالمي؛ وثالثًا، ما إذا كانت مشاريع الخليج ستكتفي بدور المستهلك للبنية التحتية أم ستسعى لاحقًا إلى دخول أعمق في سلاسل التوريد عبر التجميع، أو التغليف المتقدم، أو الشراكات الصناعية.

حتى الآن، الصورة الأكثر دقة هي هذه: كوريا الجنوبية ليست شريكًا خليجيًا مباشرًا في كل مشروع معلن، لكنها تقف في موقع بالغ الأهمية داخل العمود الفقري التقني للازدهار الخليجي في الذكاء الاصطناعي. وكلما زادت الاستثمارات في مراكز البيانات والسحابة السيادية في الإمارات والسعودية، زادت أهمية من يملك الذاكرة القادرة على تشغيل هذا العالم الجديد.

Scroll to Top